بقلم/ رائد الجحافي

 

في مشهد لم يكن يخطر على بال أحد، بدأت مواقع التواصل الاجتماعي رحلتها كنافذة افتراضية صغيرة، فضاء محدوداً للتعارف والترفيه، ومجرد وسيلة لنشر الصور والكلمات العابرة. حينها، كانت النظرة إليها سطحية، وكأنها مجرد لعبة تقنية عابرة من العاب العصر الرقمي، لا أكثر ولا أقل..

 

لكن الزمن لم يلبث أن غير النظرة تماماً، ومع تسارع الأحداث والتنافس الكبير في الصناعة الرقمية الملاصقة لنمو وتطور التكنولوجيا، تطورت مواقع التواصل الاجتماعي اليوم ولم تعد مجرد فضاءات افتراضية، بل تحولت إلى شرايين حقيقية تنبض في جسد المجتمعات، وتمثل اليوم الوسيلة الأقوى والأكثر فاعلية للتواصل والاتصال بين أفراد المجتمع بكافة شرائحه..

 

لم يعد التواصل المباشر بين البشر حصراً على اللقاءات المباشرة والرسائل التقليدية، بل باتت تلك المواقع – التي كان البعض يعاملها بسذاجة – أداة أساسية تربط المسافات، وتختصر الزمن، وتفتح آفاقاً جديدة للحوار والتفاعل. من الأصدقاء إلى العائلة، ومن الشباب إلى كبار السن، صار التواصل مبنياً على جسور إلكترونية يقطع خلالها الزمان والمكان..

 

وأعظم من ذلك، أن كبار الشخصيات السياسية المؤثرة، بمن فيهم رؤساء الدول والحكومات الكبرى، صاروا يعتمدون على هذه المنصات بشكل رئيسي في التواصل مع شعوبهم، وفي توجيه السياسات، ورسم المشهد السياسي العام. تحولت المواقع إلى منابر حقيقية تحمل صوت السلطة والفكر، ومسرحا لتبادل الرؤى والأفكار بسرعة فاقت كل التوقعات..

 

إنها اليوم ليست مجرد أدوات للتسلية أو نشر الأخبار، بل منصات ديناميكية تدار من خلالها الحملات السياسية، وتحليل الرأي العام، وقياس نبض الشعوب في الوقت الفعلي. لهذا السبب صار من الصعب أن تتخيل عالماً سياسياً حديثاً يخلو من تأثير وتأثر تلك المنصات..

ضف إلى ذلك أصبحت هذه المواقع منصات فاعلة للتعليم عن بعد، وأثبتت ذلك وبقوة عند ظهور جائحة كورونا في العام 2020م إذ تحولت إلى منابر تعليم بمختلف مراحل التعليم المختلفة بما فيها التعليم الأكاديمي واستطاعت الكثير من الجامعات والمعاهد العليا أن تؤدي وظيفتها الأساسية في تعليم الطلاب على أكمل وجه..

أيضاً أصبحت هذه المنصات الرقمية وسيلة ناجحة جداً في تنظيم ورش العمل والدورات التدريبية بمختلف أنواعها وصورها، والأهم من كل هذا أن هذه المنصات الرقمية أضحت توفر عوامل الوقت والتكلفة المالية وغيرها من المشاكل التي تتطلبها بعض الأمور مثل اللقاءات والاجتماعات وغيرها بالذات التي تستوجب حضور مشاركين من دول مختلفة وغيرها من الأمور المهمة..

 

ولا ننسى أن هذه المواقع أصبحت منصة حيوية لتطوير الأنشطة التجارية وتحقيق الأرباح بطرق مبتكرة وفعالة في مجال التجارة والتسويق والاقتصاد إذ الشركات من الوصول مباشرة إلى جمهورها المستهدف، مما يقلل من تكلفة الإعلانات التقليدية، ويوفر تفاعل فوري مع العملاء عبر التعليقات والرسائل. وتوفر هذه المنصات فرصاً ذهبية لبناء هوية العلامة التجارية وتعزيز الوعي بها، من خلال نشر المحتوى الإبداعي والمستمر، مما يرسخ صورة الشركة في أذهان المستهلكين بالإضافة إلى زيادة المبيعات والأرباح عبر شروط الشراء المباشر من خلال الروابط والإعلانات المدفوعة، حيث يمكنها تحويل التفاعل إلى عمليات بيع حقيقية بسرعة عالية، فضلاً عن اكتساب عملاء جدد بشكل مستمر.. والأهم من ذلك تحليل أن أدوات التحليل فيها توفر فهما عميقاً لسلوك العملاء، وتفضيلاتهم، مما يساعد على تعديل الاستراتيجيات التسويقية وزيادة الفاعلية والربحية، وتسهل توسيع النشاط التجاري خارج الحدود المحلية، بفضل الوصول العالمي للمنصات، مما يتيح فرصاً للنمو ودخول أسواق جديدة بسهولة نسبية..

 

وبهذه الجدوى، رسمت مواقع التواصل الاجتماعي ملامح عصر جديد، حيث التواصل هو المحرك الأساسي، والكلمة تقنع، والرأي يتجسد في حركة إلكترونية تصل من أصغر قرى العالم إلى أكبر عواصم السياسة والاقتصاد العالمية..

 

اليوم علينا أن ندرك أن مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد فضاءات افتراضية عابرة. بل أصبحت تمثل عصب الحياة الحديثة، وأداة حاسمة للتواصل، ورافعة لا غنى عنها في بناء المجتمعات واتخاذ القرارات، وحضور فاعل في رقعة السياسة العالمية، وأداة للتحصيل العلمي وغيرها، فهي تعيد تشكيل العالم لنا ولأجيال المستقبل..

كما أنها وسيلة متاحة للجميع دون استثناء للاطلاع على ما يجري على مستوى العالم وإيصال الرسائل اي كانت إلى اكبر عدد من المتلقين محلياً وخارجيا ولكن إيجابياتها هذه لا تتحقق إلا متى ما حددنا استخدامها في الجانب الإيجابي والمفيد لا السلبي لأنها في النهاية تعد سلاح ذو حدين إحداهما ليس على ما يرام من خلال ازدحامها بالمعلومات المظللة والتفاهة والأخلاق الغير سوية وعلينا اختيار وتحديد أهدافنا من استخدام هذه المنصات بما ينفعنا أو بما يضرنا..